كافة الحقوق محفوظة © 2021.
المغرب خسرت بطولة وكسبت مكانة عالمية في التنظيم والإدارة
بقلم : منير حرب
لم تتوج المغرب باللفب الافريقي كبطولة ومنافسات ولكنها بلا شك حققت الكثير من النجاح على الأصعدة الأخرى يضاف الى تاريخها الكروي بأحرف من ذهب.
منذ اللحظات الأولى لانطلاق البطولة أن المغرب لم يكن بصدد تنظيم تظاهرة قارية عادية بل كان يقدّم عرضاً متكاملاً للتنظيم العالي من الملاعب إلى منظومات النقل، ومن إدارة الجماهير إلى جودة الخدمات، مستوى تنظيم يضاهي أكبر التظاهرات الدولية. .
أما البنية التحتية، فقد تجاوزت وظيفتها التقنية لتتحول إلى خطاب سياسي ناعم مكتمل الأركان. فالملاعب الحديثة، وشبكات الطرق والقطارات عالية الجودة، والمطارات والفنادق المصممة وفق المعايير الدولية، شكّلت منظومة متجانسة تعكس بلداً خرج نهائياً من منطق التدبير الظرفي، واستثمر بعمق في الزمن الطويل. ولم يكن العالم، عبر شاشاته، يشاهد مباريات كرة قدم فحسب، بل كان يشاهد نموذجاً تنموياً إفريقياً واثقاً، يبرهن أن القارة قادرة على إنتاج التميز وصناعة المعايير، لا الاكتفاء بتدبير الممكن أو تكييف الطموح مع حدود الواقع.
وفي قلب هذا المشهد، لعب الشعب المغربي دوره الطبيعي كأهم رأسمال لا مادي. ففي المدرجات، وفي الشوارع، وفي أدق تفاصيل الحياة اليومية، تجلت صورة مغرب منفتح، مضياف، واثق من نفسه، يحتفي بالآخر دون عقد، ويستقبل الجميع بروح إنسانية صادقة. هذه الصورة لم تُصنع بعدسات الكاميرات ولا بخطابات موجهة، بل خرجت من سلوك تلقائي وعفوي، يعكس عمق الاستقرار المجتمعي وراحة العلاقة بين الدولة والمجتمع
وعلى المستوى الإعلامي، كانت الصورة التي نُقلت إلى العالم صورة دولة من الصف الأول. فوفق تقديرات رسمية من الجهات المنظمة، فقد تابع هذه النسخة من كأس إفريقيا جمهور عالمي واسع، إذ نُقلت المباريات عبر عشرات القنوات التلفزيونية الدولية والمنصات الرقمية، ووصل البث إلى أكثر من 150 دولة عبر القارات الخمس، مع تقديرات تشير إلى مئات الملايين من المشاهدين طيلة أسابيع البطولة. ولم يكن هذا الحضور الإعلامي الكثيف مجرد متابعة لمنافسة كروية، بل كان نافذة مفتوحة على المغرب ذاته: مدنه التي ظهرت في أبهى حللها، منظومته الأمنية التي ضمنت بطولة آمنة وسلسة، قدرته التنظيمية العالية، وشعبه الذي قدّم نموذجاً إنسانياً راقياً في الاستقبال والتعايش. بهذا الزخم الإعلامي، تحولت البطولة إلى منصة عرض عالمية للقوة الناعمة المغربية، حيث ترسخت في الوعي الدولي صورة دولة مستقرة، حديثة، وقادرة على إدارة أحداث كبرى وفق أعلى المعايير. إنها صورة لا تنتهي مع صافرة الختام، بل تبقى راسخة في الذاكرة الجماعية، وتُراكم في الرصيد الرمزي والاستراتيجي للمغرب، باعتباره فاعلاً موثوقاً وشريكاً قادراً على الجمع بين الجاذبية الثقافية، والنجاعة التنظيمية، والاستقرار الأمني في محيط إقليمي ودولي شديد التنافس
لهذا كله، يمكن القول إن المغرب خسر نهائي كأس إفريقيا 2025 في النتيجة، لكنه ربح ما هو أعمق وأدوم: ربح الثقة، والاحترام، والمكانة. فقد كسب معركة الصورة بفضل رؤية ملكية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من الرياضة رافعة سيادية، ومن التنظيم المحكم تعبيراً عن دولة تعرف ماذا تريد وإلى أين تتجه. هذه الرؤية، التي تراكمت عبر سنوات من الاستثمار الهادئ في الإنسان والبنية التحتية والمؤسسات، رسخت موقع المغرب كقوة ناعمة إفريقية صاعدة، قادرة على تحويل التظاهرات الرياضية إلى أدوات نفوذ إيجابي وإشعاع دولي محسوب.
وانطلاقاً من ذلك، لم تكن كأس إفريقيا 2025 مجرد بطولة احتضنها المغرب، بل كانت تجسيداً عملياً لاختيارات استراتيجية تقودها أعلى سلطة في الدولة، وتُدار بمنطق الاستمرارية لا الظرفية، وبمنطق البناء لا الاستعراض. لذلك، وبكل هدوء وواقعية، يمكن الجزم بأن المغرب فاز بكأس إفريقيا 2025 بمعناها الأعمق والأبقى… حتى وإن لم يرفع الكأس. ومن ثمّ، قد نكون خسرنا مباراة في كرة القدم، رغم أهميتها الرياضية، لكن المغرب ربح ما هو أعمق وأبقى: ربح صورته كدولة تعرف كيف تنتصر خارج لوحة النتائج، ورسّخ مكانته في وجدان القارة واحترام العالم، مؤكداً أن قيمة الأمم لا تُقاس بعدد الكؤوس، بل بقدرتها على تحويل كل اختبار إلى رصيد من الثقة وصناعة.
