كافة الحقوق محفوظة © 2021.
جرائم المخدرات .. عدو صامت وحرب خفية داخل المجتمع .. زينة المجالي ضحية جديدة
ماجد عبد الله الخالدي
بعد حادثة مقتل المغدورة زينة المجالي على يد شقيقها المتعاطي للمخدرات، لم يعد انتشار هذه الظاهرة مجرد حوادث عابرة يمكن التجاوز عنها، بل أصبحت حربًا خفية وتهديدًا حقيقيًا يطال الأمن المجتمعي والصحي والاقتصادي، ويشكل خطرًا مباشرًا داخل الأسرة الواحدة.
ففي السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من الإجراءات المشددة التي تنفذها القوات المسلحة الأردنية ــ الجيش العربي، ومديرية الأمن العام، إلا أن قضايا التعاطي والاتجار بالمخدرات شهدت تصاعدًا لافتًا، بالنظر إلى مسببات عدة، أبرزها انعدام الأمن والسيطرة في بعض الدول المجاورة، مشكلا هذا التصاعد انعكاسًا مباشرًا على ارتفاع معدلات الجريمة، وتفكك الأسر، واستنزاف طاقات الشباب.
*حرب شرسة*
اللواء الركن المتقاعد أنور سلامة الطراونة، الذي كان قد شغل منصب مدير إدارة مكافحة المخدرات خلال 2015 – 2020، أكد أن الأردن خلال السنوات الأخيرة شهد حربًا شرسة مع المخدرات، ويشهد القاصي والداني بأن هناك جهودًا كبيرة بُذلت وما زالت تُبذل من قبل القوات المسلحة الأردنية ومديرية الأمن العام، ممثلة بإدارة مكافحة المخدرات والأجهزة الأمنية، لمنع دخول المخدرات إلى الأراضي الأردنية والحد من انتشارها.
وزاد الطراونة : “وقد تابعنا جميعًا هذه الجهود من خلال الكميات الكبيرة التي تم إحباط إدخالها، وتبيّن أن هذه الجهود حققت الأهداف المرجوّة، حيث أصبح دخول المهربين عبر الحدود البرية أمرًا صعبًا جدًا، ما دفعهم إلى انتهاج أساليب حديثة مثل البالونات وطائرات الدرونز، ونحن نبارك هذه الجهود ونشدّ على أيدي جميع العاملين في أجهزتنا العسكرية والأمنية للضرب بيدٍ من حديد على كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الأردن”.
*انخفاض ملحوظ*
وأضاف أن نتاج الجهود المبذولة تحقق من خلال انخفاض ملحوظ في حجم قضايا المخدرات في المملكة خلال عام 2025 مقارنة بعام 2014، بنسبة بلغت 13%، مشيراً إلى أن موضوع المخدرات قد حظي باهتمام جلاله الملك حين زار المنطقه العسكريه الشرقيه وأعلنها حرب بلا هواده على هذه الآفة ومن يحاول تهريبها وكذلك زار إدارة مكافحة المخدرات وأوعز بإعداد استراتيجة وطنيه للتوعية من أخطار المخدرات.
*مراجعة القانون لسد الثغرات*
وحول التشريعات والقوانين المتعلقة بجرائم المخدرات، قال الطراونة ان : “الأردن متطور تشريعيًا فيما يتعلق بقضايا المخدرات، وقد أُنيط النظر في هذه القضايا بمحكمة أمن الدولة لأهميتها باعتبارها جريمة وطنية، كما أن الأردن أوجد تشريعًا خاصًا بالمخدرات منذ عام 1988، وهو قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1988، والذي أُجريت عليه عدد من التعديلات، إلى أن صدر قانون عام 2016، ثم أُدخلت عليه تعديلات إضافية عام 2020، ويُعد هذا القانون منصفًا، حيث فرض عقوبات رادعة على جرائم الاتجار تصل عقوبتها إلى الإعدام، وكذلك غلظ عقوبة الترويج ،وفي الوقت ذاته منح مساحة للإصلاح والعلاج في جرائم التعاطي والتي تجيز للمتعاطي التقدم للعلاج”، منوها إلى أنه “من الطبيعي بين الحين والآخر مراجعة القانون من أجل سد الثغرات إن وجدت وتجويد بعض المواد”.
وفيما يتعلق بتعامل الأهالي مع المتعاطين للمخدرات، أكد الطراونة أن قانون المخدرات والمؤثرات العقلية يمنح الحق الكامل للمتعاطين أو ذويهم بالتقدم بطلب العلاج دون أن تترتب عليهم أي تبعات قانونية، وهذا الأمر معمول به على أرض الواقع، كما أكد أن إدارة مكافحة المخدرات تُبدي مرونة كبيرة في تنفيذ ذلك، إلا أن “بعض الأهالي وللأسف، يترددون في اللجوء إلى هذا الخيار بدافع العاطفة والخوف”.
*استراتيجية وطنية*
وأشار إلى أن الأردن اليوم متقدم على كثير من الدول في التعامل مع آفة المخدرات، من خلال استراتيجية وطنية للتوعية جرى البدء بتطبيقها منذ العام الماضي، وقد أظهرت نتائج المتابعة لتطبيق هذه الاستراتيجيه نسب نجاح مرتفعة جدًا، مضيفا أن جلالة الملك وجّه بإعداد هذه الخطة، وجرى إشراك جميع الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة فيها، منوها على أنه من الضروري أن يشارك الجميع في برامج التوعية، وخصوصًا مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص من خلال مبادرات متخصصة ومدروسة.
كما نوه الطراونة على أن مدمن المخدرات هو شخص مريض، لديه استعداد سابق قد وضعه في هذا الدوامه، وقد يعامل أقرب الناس إليه وكأنهم أعداؤه، لذا لا يجوز التستر عليه خجلًا من الناس.
وحذر الطراونة من توجه بعض المختصين إلى التعمق – عن حسن نية – في شرح أنواع المخدرات ودرجات خطورتها وحتى طرق تعاطيها، وقد يُساء فهم هذه المعلومات أو تُستغل بشكل خاطئ.
*مسؤولية مشتركة*
من جهتها، أكدت النائب السابق والرئيس التنفيذي لمؤسسة حقوقيون ميادة إبراهيم شريم، أن مكافحة المخدرات في الأردن تشكل مسؤولية مشتركة بين جميع المؤسسات الرسمية والخاصة، مشيرة إلى أن نوعية الجرائم المتعلقة بتعاطي المخدرات مؤذية على الصعيد المجتمعي، سيما وأن غالبية هذه الجرائم يقع ضحاياها من الأقرباء.
*خطر يمسّ السلم المجتمعي*
وأضافت شريم أنها حينما طالبت عام 2024 بمشروع قانون العفو العام، استثنت من مطالبتها المتورطون بقضايا الاتجار بالمخدرات، لما تحمله هذه القضايا من خطر يمسّ السلم المجتمعي، سيما وأن هذه الجرائم تتعلق بأمن الدولة.
ونوهت أن الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب يتطلب مواكبة دائمة لتشريع القوانين الرادعة لتجارة المخدرات، سيما وأن الأردن يشهد اليوم حربًا قد ترتبط بها أهداف سياسية، يراد بها تفكيك روابطه المجتمعية من خلال نشر وترويج هذه الآفة التي تهدف إلى اخماد طاقات أبناءه وتعطيل دور الشباب في المجتمع.
*منعطف يستوجب التوقف*
وقالت أيضا أن حادثة مقتل المغدورة زينة المجالي – رحمها الله – لم تكن حادثة عابرة، بل منعطف يستوجب التوقف وإعادة النظر من قبل كل رب أسرة لديه شخص يتعاطى المخدرات، فالحدّ من هذه الجرائم يبدأ من الأسرة نفسها، خاصة وأن مديرية الأمن العام تمنح المتعاطي حق العلاج دون تبعات قانونية حال تسليم نفسه، داعية كل ذوي المتعاطين للتعامل الأمثل مع إدارة مكافحة المخدرات، لحماية المتعاطي نفسه وحماية ذويه.
